محمد بن جرير الطبري

120

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فرشكم أحدًا " إنما هو أن لا يمكِّنّ من أنفسهن أحدًا سواكم . ( 1 ) وإذا كان ما روينا في ذلك صحيحًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبيِّنٌ أن لزوج المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيرَه وأمكنت من جماعها سواه ، أنَّ له من منعها الكسوةَ والرزقَ بالمعروف ، مثلَ الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف . وإذ كان ذلك له ، فمعلوم أنه غير مانع لها - بمنعه إياها ماله منعها - حقًّا لها واجبًا عليه . وإذ كان ذلك كذلك ، فبيِّنٌ أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها ، فأخذ منها زوجها ما أعطته ، أنه لم يأخذ ذلك عن عَضْل منهيّ عنه ، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عَضْل له مباح . وإذ كان ذلك كذلك ، كان بينًا أنه داخل في استثناء الله تبارك وتعالى الذي استثناه من العاضلين بقوله : " ولا تعضُلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " . وإذْ صح ذلك ، فبيِّنٌ فساد قول من قال : " إلا أن يأتين بفاحشة مبينة " ، منسوخ بالحدود ، ( 2 ) لأن الحدّ حق الله جل ثناؤه على من أتى بالفاحشة التي هي زنا . وأما العَضْل لتفتدي المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه ، فحق لزوجها = كما عضله إياها وتضييقه عليها إذا هي نشزت عليه لتفتدي منه ، حق له . وليس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر . * * * قال أبو جعفر : فمعنى الآية : ولا يحل لكم ، أيها الذين آمنوا ، أن تعضلوا نساءكم فتضيِّقوا عليهن وتمنعوهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن من صَدُقاتكم ، إلا أن يأتين بفاحشةٍ من زنا أو بَذاءٍ عليكم ، وخلافٍ لكم فيما يجب عليهن لكم - مبيِّنة ظاهرة ، فيحل لكم حينئذ عَضْلهن

--> ( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " أن لا يمكن أنفسهن من أحد سواكم " ، وفي المخطوطة كتب " لا " على سين " أنفسهن " ، كأنه كان يوشك أن يصحح الكلمة ، ثم غفل عنها ، وصواب السياق يقتضي أن تكون الجملة كما أثبتها ، وإنما سها الناسخ . ( 2 ) انظر ما سلف رقم : 8894 .